داود العطار
59
موجز علوم القرآن
مبلغا لم يذكره التأريخ لواحدة من الأمم المتقدمة عليهم ، والمتأخرة عنهم ، ووطئوا موطئا لم تطأه أقدام غيرهم ، في كمال البيان ، وجزالة النظم ، ووفاء اللفظ ، ورعاية المقام ، وسهولة المنطق « 1 » . وحيث كانت العرب قد شأت هذا الشأو البعيد في أساليب البلاغة ، وفنون الأدب ، رجالا ونساء ، فلهذا السبب ، تحدّاهم القرآن ، وهم على ما هم عليه من قدرة في البلاغة لا تدانى ولا تضارع ، وقوّة في البيان لا تضاهى ولا تبارى وسرعة في البداهة لا تجارى ، مع ما تخلقوا به من عزائم وحمية وهمم وعصبية ، والقرآن طيلة ثلاث وعشرين سنة - تقريبا - يقرع أسماعهم ، بأنهم عاجزون عن مباراته ، فيما جاء به من كلام قرن بين الإيجاز والبلاغة ، والبيان والفصاحة وهو بلسان عربي مبين ، ليس شعرا ولا نثرا ، يفهمه العرب ، وهو خارج عن مألوفهم . ومع هذا التحدي المثير المهيج ، ما استطاعوا إلّا النفور والالتجاء إلى خوض الحروب ، وبذل الأنفس والأموال ، لصد دعوته ، دونما جرأة على مجاراته . فلما لم تحصل معارضة منهم ، تحقق أنهم عاجزون عنها ( لأن كل من توفرت دواعيه إلى الشيء ولم يوجد مانع منه ، ثم لم يتمكن من فعله ، فإنه يكون عاجزا لأنه لا يكون معنى للعجز إلّا ذاك ) « 2 » . وقال الطبرسي : إن كل فعل لا يقع من فاعله ، مع توافر دواعيه ، وقوّة بواعثه عليه ، فإنه يدل على تعذّره ، فإذا ثبت ذلك ، وعلمنا أن العرب تحدّوا بالقرآن ولم يعارضوه ، مع شدة حاجتهم إلى المعارضة ، وقوّة دواعيهم ، علمنا أنها متعذرة عليهم « 3 » .
--> ( 1 ) الطباطبائي : الميزان ج 1 / 66 . ( 2 ) العلوي اليمني : الطراز ج 3 / 371 . ( 3 ) أعلام الورى بأعلام الهدى : ص 30 .